رب اغفر لي ولوالدي، رب ارحمهما كما ربياني صغيرا
Loading...

المنشورات القديمة قد يكون فيها أعطاب في التحميل، ويتطلّب الأمر مراجعة كبيرة لإعادة تحميل الكتب وتصحيح الروابط، وهذا ما نجتهد في عمله.. لهذا نتقدّم بالاعتذار لزوار المكتبة ونهيب بهم أن يبلغونا بكل رابط لا يعمل.. تقبلوا خالص التقدير والمحبة.

علاء الاسوانى.....عمارة يعقوبيان


من مقال للدكتور صلاح فضل :
يبني المبدع الكبير علاء الأسواني‏,‏ بهندسة فنية رائعة‏,‏ وإتقان شعري محكم‏,‏ واحدة من أهم الأعمال الروائية المعاصرة‏,‏ التي ستصبح كلاسيكية باستمرارها ماثلة في الذاكرة الأدبية‏.‏ وهي عمارة يعقوبيان الكفيلة وحدها بأن تضع مؤلفها في الصف الأول من كتاب اليوم‏,‏ بعد مسيرة إبداعية مضنية وخصبة ومتفاوتة‏.‏

يكشف علاء الأسواني في هذه الرواية عن قدرة عارمة علي تخليق العوالم الكبري‏,‏ وبراعة بارزة في رسم النماذج الانسانية الأصيلة‏,‏ وإضاءة المناطق الحميمة في جسد القاهرة الفاحش‏,‏ بجسارة فائقة‏,‏ تجسد ذبذبات الضمير الخفي في المجتمع المصري بأسره خلال العقود الماضية‏.‏ وهو يفاجيء القاريء ـ منذ الصفحات الأولي ـ باكتمال مشاهد الشخوص والأماكن‏,‏ واكتنازها بالتاريخ الشهي المثير‏,‏ حتي تبدو الكائنات والأشياء ـ وهي من صنع المتخيل الروائي ـ كأنها موجودة من قبل‏,‏ ماثلة هناك‏,‏ تنتظر عصا الفن السحرية كي تكشف النقاب عن حيويتها العارمة‏,‏ وعراقتها الغريبة‏,‏ وهشاشتها الواضحة في الآن ذاته‏.‏ يقدم لك مثلا نموذج زكي بك الدسوقي ـ وهو من أقدم سكان شارع سليمان باشا ـ جاء اليه في أواخر الأربعينيات‏,‏ بعد عودته من بعثته في فرنسا‏.‏ وهو يشكل بالنسبة لسكان الشارع شخصية فولكلورية محبوبة‏,‏ عندما يظهر عليهم ببدلته الكاملة صيف شتاء‏,‏ التي تخفي باتساعها جسده الضئيل الضامر‏,‏ ومنديله المكوي بعناية‏,‏ المتدلي دائما من جانب السترة بنفس لون رابطة العنق‏.‏ وذلك السيجار الشهير الذي كان أيام العز كوبيا فاخرا‏..‏ وجهه المتغضن العجوز‏,‏ ونظارته الطبية السميكة‏,‏ وأسنانه الصناعية اللامعة‏,‏ وشعره الأسود المصبوغ بخصلاته القليلة‏,‏ المصففة من اليسار الي اقصي يمين الرأس‏,‏ بهدف تغطية الصلعة الفسيحة‏.‏ ثم يقدم لك عمارة يعقوبيان الأرمني‏,‏ التي تفنن المهندسون الإيطاليون في زخرفتها‏,‏ وعشرات الحجرات التي أقيمت علي سطحها الفسيح‏,‏ وكأن العمارة عند علاء الأسواني قد حلت محل حارة نجيب محفوظ فجعلته يرسم لك لوحة زاخرة بالألوان والدلالات لحركة المجتمع المصري في موجاته المتعاقبة الثلاث‏:‏ ما قبل ثورة‏52,‏ وما بعدها حتي عصر الانفتاح في السبعينيات‏,‏ ثم ما أعقبه حتي زمن الرواية مطلع التسعينيات‏.‏ وذلك من خلال رصد تغيرات نوعية سكان العمارة‏,‏ من أرستوقراطيين الي ضباط جيش ثم رجال أعمال‏.‏

والمثير في هذا السرد أنه ينفذ عبر تجسيده لتحولات السكان الي دخيلة الضمير الوطني وما ظل يعتريه من توترات عميقة تحول دون الانسجام الحقيقي‏.‏ ولن نتوقف عند اغراء المشاهد الساخنة التي يفتتح بها الكاتب رسم العروق البارزة ـ النابضة بالشهوة ـ في جسد وسط المدينة‏,‏ عبر خبرة زكي بك العريضة في مقاسات النساء بكل مستوياتهن من ناحية‏,‏ ولا مجتمع سطح العمارة الذي يخفي بؤسه ويحقق وجوده بالجنس ويفاخر به من ناحية أخري‏.‏ ولكننا سنتوقف عند موقف سكان العمارة من طه الشاذلي ـ ابن البواب ـ الذي تفوق في دراسته وطمح الي أن يرتقي بعمله درجات‏,‏ حتي ظهرت نتيجة الثانوية العامة‏,‏ وحصل علي مجموع أكبر من أولاد الكثيرين في العمارة‏.‏ عندئذ بدأ المتذمرون يتكلمون علانية‏,‏ ويقول أحدهم إن ابن البواب قد يلتحق بكلية الشرطة ويتخرج ضابطا‏,‏ فيرد عليه آخر بأن مناصب الشرطة والقضاء والأماكن الحساسة ينبغي أن تقتصر علي أولاد الناس‏,‏ لأن أولاد البوابين والكوائين وأمثالهم لو أخذوا أي سلطة سوف يستعملونها في تعويض مركبات النقص والعقد النفسية التي أصابتهم في نشأتهم الأولي‏,‏ ثم ينهي حديثه بلعن عبدالناصر الذي استحدث مجانية التعليم‏,‏ أو يستشهد بحديث منسوب للنبي صلي الله عليه وسلم بالنهي عن تعليم أولاد السفلة‏.‏

يمزج الراوي التقليدي‏,‏ المحيط بكل شيء علما‏,‏ كما يقال في علوم السرد‏,‏ يمزج هذه الحوارات ويحكيها بأسلوب غير مباشر‏,‏ يقدم فيه رؤية الطبقة الوسطي المصرية‏,‏ التي ارتفعت بأساليب ملتوية الي مستوي سكان العمارة الطبقي‏,‏ بفضل مجانية التعليم التي يحملون عليها‏,‏ لكنهم يدعون الآن أرستوقراطية مكتسبة‏,‏ في مجتمع متحول سريع التغيير‏,‏ متعالين علي أصولهم القريبة‏,‏ ومنكرين علي من يقف في أول درجات السلم الاجتماعي أن يبذل جهده للارتقاء‏,‏ موظفين ما يتراءي لهم من اراء سياسية ومأثورات دينية لهذا الهدف‏,‏ الأمر الذي يشف عن التقلصات الخطيرة التي ما زالت تعوق الطبقات المحرومة من التطلع الي حقوقها المشروعة بالوسائل الصحيحة‏,‏ ويفتح الباب لما سوف تزخر به الرواية من عرض لأشكال الإحباط والقمع والعنف والتسلل والانتهازية التي يمتليء بها مجتمع اليوم‏.‏

إضغط على الصورة للتحميل

0 التعليقات:

إرسال تعليق

تحميل...
:: رب اغفر لي ولوالديَّ رب ارحمهما كما ربّياني صغيرا.. زائرنا الكريم، نتمنى أنك وجدت ما يُفيدك، وحتى تستمرّ المكتبة، نسعد بآرائك ومقترحاتك.. جميع الحقوق محفوظة لمكتبة خالدية 2009 ::